أساطير رِن زو - الجزء العاشر
- "أساطير رِن زو": الشمس العظيمة الزاهية في قبضة الرجال المشعرين. قصة أسطورية تكشف كيف يمكن لـ "غو الغرور" أن يكون سلاحاً للنجاة.
لا تفوت الفصول الجديدة!
تابعنا لتصلك الإشعارات فور نزولها.
- الجزء العاشر من "أساطير رِن زو" / الفصل 357 من رواية "القس المجنون": الشمس العظيمة الزاهية في قبضة الرجال المشعرين. قصة أسطورية تكشف كيف يمكن لـ "غو الغرور" أن يكون سلاحاً للنجاة...
ورد أقدم ذكر لـ "الرجال المشعرين" في طيات "أساطير أساطير رِن زو"
ويُحكى أن "رِن زو" قد اقتلع عينيه، فاستحالتا ابناً وابنة؛ أما الابن فكان "الشمس العظيمة الزاهية"، وأما الابنة فكانت "القمر العتيق الموحش".
كان "الشمس العظيمة الزاهية" مولعاً باحتساء الخمر، وفي إحدى سكراته تسبب في حادثة أوقعته حبيساً في قعر "الهاوية العادية". لكن رُبّ ضارة نافعة؛ فقد اغتنم تلك المحنة ليظفر بـ "غو السمعة" - الذي اتخذ هيئة زهرة الأقحوان - وتمكن بفضله من النجاة بحياته.
وبفضل "غو السمعة"، تعاظم صيت "الشمس العظيمة" شيئاً فشيئاً، وما هي إلا فترة وجيزة حتى طافت الآفاق أخبارُ ولعه الشديد بالخمر.
وذات يوم، حمل سرب من "نحل العسل المخطط كالنمور" خليته، وقصدوا "الشمس العظيمة".
وخاطبوه قائلين: "يا أيها الشمس العظيمة الزاهية، بلغنا شغفك بالخمر، وزعمك بأن خمر قردة السماء والأرض الأربعة هي الألذ في الوجود. ولكن، أنّى لخمرهم أن تُضاهي خمر عسلنا؟ لقد جئناك اليوم خصيصاً لتتذوق رحيقنا."
كانت كل نحلة من هذا السرب تضاهي الفهد في حجمها، وتكسو جسدها الذهبي خطوط سوداء تحاكي خطوط النمور. ورغم أن حديثهم كان مغلفاً بالتهذيب، إلا أن نبرتهم كانت تقطر تهديداً ووعيداً.
تذمر "الشمس العظيمة" في قرارة نفسه، فقد حلت به مصيبة وهو قابع في عقر داره. كان هذا النحل يتمتع بقوة بأس شديدة، ولم يكن هو نداً لنحلة واحدة، فما بالك بسرب بأكمله!
لم يجد "الشمس العظيمة" بُداً من تذوق خمر العسل من الخلية على مضض.
وما إن ارتشَف منه رشفة واحدة حتى أشرقت عيناه. كانت خمر العسل حلوة المذاق دون إفراط، وعبقها عتيقاً ولذيذاً للغاية؛ إنها بحق كنز من كنوز الدنيا!
فهتف مادحاً إياها حتى عنان السماء وهو يجرع ملء فمه: "لذيذة! لذيذة بحق! إن هذه لتجعل المرء يشعر وكأنه أسعد إنسان على وجه الأرض!"
ضحك النحل المخطط بابتهاج غامر.
وسأله قائدهم: "أخبرنا إذن، أيهما ألذ؛ خمر عسلنا أم خمر قردة السماء والأرض الأربعة؟"
كان "الشمس العظيمة" قد ثمل تماماً، فنسي رهبته من النحل، وأجاب بصراحة: "لكلٍ منها ما يميزها، ومن الصعب جداً المقارنة بينها."
استشاط النحل غضباً وقالوا في أنفسهم: "أيجعل خمرنا في منزلة خمر تلك القردة المجردة؟ إن هذا الـ الشمس العظيمة الزاهية بغيض للغاية، ولا بد من تلقينه درساً!"
وما كادوا ينقضون عليه حتى توارى "الشمس العظيمة" عن الأنظار فجأة.
دامت سكرة "الشمس العظيمة الخضراء" تلك سبعة أيام وسبع ليالٍ. وفي غمرة غيابه عن الوعي، تناهى إلى مسامعه صوت يناديه من رحم الظلام: "يا أيها الشمس العظيمة، استيقظ بسرعة، وإلا صرت طعاماً لهم..."
انتفض "الشمس العظيمة" فزعاً من نومه. ليجد نفسه مكبلاً ومحمولاً على أيدي زمرة من الهمج.
كان هؤلاء الهمج يكسو الشعر أجسادهم بالكامل، وعيونهم زرقاء داكنة. وكانت هناك نار متأججة يعلوها مرجل ضخم. جلس الهمج بهدوء، يتبادلون أحاديث ذات وقع عذب على الآذان:
"نحن بصدد صقل غو الخلود، ولم يكن ينقصنا سوى بشري ليكون المحفز. وها هي السماء قد ساقت إلينا الشمس العظيمة الزاهية، إنه حقاً لأمر يستحق الاحتفال!"
"الإنسان هو روح الكائنات الحية كافة، ورِن زو هو سلف الأرواح. والشمس العظيمة الزاهية قد وُلد من عينه اليسرى ويحمل طاقة روحية فياضة. أرى أن عملية الصقل ستكلل بالنجاح هذه المرة!"
"ألقوه في المرجل بسرعة، سنظفر بغو الخلود ونحيا إلى الأبد..."
شحب وجه "الشمس العظيمة" رعباً إثر سماعه هذه الكلمات، وشرع يصرخ ويقاوم بكل ما أوتي من قوة.
غير أن هؤلاء الهمج لم يحركوا ساكناً.
وفي تلك اللحظة الحرجة، تردد صدى الصوت السابق مجدداً في عقل "الشمس العظيمة الزاهية": "لا طائل من مقاومتك. هؤلاء الهمج هم الرجال المشعرون، أحباء هذا العالم، وقد وُهبوا موهبة فطرية في صقل ديدان الغو."
نسي "الشمس العظيمة" مأزقه في لمح البصر، وتساءل بفضول في قرارة نفسه: "من أنت؟"
ضحك الصوت مجيباً: "أنا غو الترحال الإلهي. ما إن يحتسي أي شخص أربعة أنواع مختلفة من أجود خمر العالم، حتى أُبعث في قلبه. وبوسعي أن أنقلك لمح البصر إلى أي بقعة تشاء."
تهلل وجه "الشمس العظيمة" فرحاً وقال: "إذن، أرجوك أخرجني من هنا بسرعة."
تنهد "غو الترحال الإلهي" قائلاً: "لا جدوى من ذلك. لا يمكنك استخدامي إلا وأنت ثمل، وعقلك الآن في كامل صحوه، لذا لن تستطيع الاستعانة بي."
أدرك "الشمس العظيمة" الأمر فجأة: "لهذا السبب إذن علقت في تلك الجزيرة المعزولة وكدت أهلك جوعاً حينها! لحسن الحظ أنني حصلت على غو السمعة وتمكنت من مغادرة الهاوية العادية. لقد كنت أنت من أوقعني في تلك المهلكة!"
أجاب "غو الترحال الإلهي": "آه أيها البشري، لم تكن لدي أدنى نية لإيذائك، بل حدث ذلك لأنك استخدمت قوتي بعد أن لعبت الخمر برأسك. لا تلمني، ففي المرة الأخيرة كدت تقع في قبضة النحل المخطط، ولولاي لما تمكنت من الفرار. أذى مقابل نجاة، صرنا متعادلين."
تذكر "الشمس العظيمة" أمر النحل المخطط، فكف عن لوم "غو الترحال الإلهي".
حينها، ألقاه الرجال المشعرون في المرجل. استعرت النيران الضخمة تحت المرجل، وارتفعت حرارة السائل بداخله بشكل جنوني.
"أضيفوا العقيق والفلفل الأحمر!" صرخ أحد الرجال المشعرين وهو يلقي بحجارة العقيق النفيسة والفلفل الأحمر في المرجل.
اكتسى السائل باللون الأحمر، واصطبغ به جسد "الشمس العظيمة".
"أضيفوا جرو ثعلب الدخان الأزرق!" أمسك رجل مشعر بثعلب صغير وقذف به في المرجل.
كان جسد الثعلب الصغير مكسواً بالفرو، وبدا في غاية اللطافة بعينيه اللتين تشبهان ألماستين سوداوين. ولكن، ما إن لامس السائل حتى تحول إلى دخان أزرق وذاب في الماء.
أخذ السائل في المرجل يغلي ببطء، وتعاظم اليأس في قلب "الشمس العظيمة"، موقناً بصعوبة النجاة من هذه الكارثة.
واصل الرجال المشعرون إضافة العديد من المواد المساعدة وديدان الغو.
"أضيفوا غو الغرور!" رمى أحد الرجال المشعرين بغو في المرجل.
كان هذا الغو غريب الأطوار، إذ اتخذ هيئة سلطعون أزرق ضخم، لكن على النقيض من السلاطين الحقيقية، كانت قوقعته مجوفة.
وما إن وقعت عينا "غو الغرور" الشبيه بالسلطعون على "الشمس العظيمة" حتى استبد به الحماس قائلاً: "أنت... هل أنت الشمس العظيمة الزاهية؟ لقد تناهت إلى مسامعي أخبارك، لكنني لم أتوقع قط أن ألتقي بك هنا، يالي من محظوظ! تغمرني سعادة وحماس لا يوصفان!"
ابتسم "الشمس العظيمة الزاهية" ابتسامة مريرة وقال: "وأي حظ هذا ونحن على شفا الموت؟"
سأله "غو الغرور" بإلحاح: "لا أكترث للموت. جل ما أردت سؤاله هو: كيف بلغت هذه الشهرة الطاغية؟ إنني معجب بك أشد الإعجاب! أكنّ تقديراً عظيماً لأمثالك."
أجاب "الشمس العظيمة" وهو يتخبط في المرجل محاولاً التسلق: "لست في مزاج يسمح لي بالحديث عن هذا الآن، يجب أن أهرب." لكن سرعان ما دفعه أحد الرجال المشعرين المراقبين إلى قاع المرجل مجدداً.
"أخبرني بسرعة، أرجوك أخبرني!" لم يكن "غو الغرور" لبقاً، بل كان متلهفاً بكل جوارحه لطلب النصح.
نهره "الشمس العظيمة" بغضب: "ألا ترى المأزق الذي نحن فيه الآن؟"
جحظت عينا "غو الغرور" وحدق في "الشمس العظيمة الزاهية" قبل أن يتهلل وجهه بالسرور: "فهمت، لقد فهمت الآن. إن أردت أن أكون ذائع الصيت، فعليّ أن أتحمل لظى النيران. شكراً لك على هذه النصيحة، شكراً لك. وعربوناً لشكري يا أيها الشمس العظيمة، سأسدي لك صنيعاً."
وما إن أتم كلماته حتى انفجر "غو الغرور".
لم يكن انفجاراً عنيفاً، بل كان خافتاً للغاية، ولم يصدر عنه سوى صوت فرقعة رقيقة. تحول "غو الغرور" إلى رياح سامة لا شكل لها، وتسلل إلى قلوب جميع الرجال المشعرين.
فاستحالت عيون الرجال المشعرين الزرقاء الداكنة الصافية كالبلور إلى اللون الأحمر.
ظل "الشمس العظيمة" مذهولاً لبرهة من الزمن قبل أن يسترد وعيه. لم يسعه سوى التنهد على تضحية "غو الغرور"، ثم صرخ على الفور: "رغم قدرتكم أيها الرجال المشعرون على صقل الغو، إلا أن هذا لا يساوي شيئاً. حتى لو عشتُم إلى الأبد، فماذا في ذلك؟ أنتم في غاية القبح بهذا الشعر الذي يكسو أجسادكم، أنتم مجرد مسوخ بشعة."
وقف الرجال المشعرون مشدوهين.
لو قيل هذا الكلام من قبل، لما أعاروا "الشمس العظيمة الزاهية" أي اهتمام. أما الآن، فقد تغلغل سم الغرور في أعماق قلوبهم، وطمس بصيرتهم.
وما إن سمعوا صياح "الشمس العظيمة"، حتى هبوا ينفون كلامه بصوت عالٍ: "هراء! هذا هراء! نحن الرجال المشعرين أكمل الكائنات، ولا يوجد ما هو أبهى من جسد يكسوه الشعر!"
فجأة، هبط الإلهام على "الشمس العظيمة" فقال: "مهما بلغ جمال شعركم، فهل يمكن أن يضاهي جمال شعري؟"
ولأنه كان قد شرب من خمر "قرد الفاجرا" القوية، فقد تحول شعره إلى نيران متأججة.
أُسقط في أيدي الرجال المشعرين أمام كلماته.
كانت النيران البديعة تتراقص وتتلون باستمرار، حتى أنهم لم يملكوا سوى الاعتراف بروعة حركة شعر "الشمس العظيمة الزاهية".
واصل "الشمس العظيمة" استفزازهم: "حتى لو نلتم الخلود، فلن تبلغوا مبلغي من الجمال! انظروا إلى شعري، إنه مفعم بالألوان والجاذبية كالنار ذاتها."
استثار "الشمس العظيمة" حفيظة الرجال المشعرين، وأخيراً لم يحتمل أحدهم الأمر فصرخ: "إن كان لك مثل هذا الشعر المذهل، فسأحصل عليه أنا أيضاً. انظروا إليّ!"
ثم أمسك بشعلة نار وأضرمها في جسده كله. احترق الشعر الذي يكسو جسده واستحال إلى رجل ناري.
وصرخ هذا الرجل المشعر: "هاهاها، أنت لا تملك سوى شعر جميل، أما أنا فجسدي كله جميل الآن."
وسرعان ما تدافع بقية الرجال المشعرين ليحذوا حذوه. تحولوا جميعاً إلى رجال ناريين، أكلتهم النيران، وجعلهم الألم المبرح يعوون من شدة العذاب.
ولكن حين أدركوا خطيئتهم، كان الأوان قد فات لإخماد النيران، فظلوا يستعرضون جمالهم بطريقة استعراضية مأساوية.
طار "غو الترحال الإلهي" من الفرح، وأكال المديح لـ "الشمس العظيمة" قائلاً: "أيها البشري، أنت داهية بحق، كيف تفتق ذهنك عن هذه الحيلة؟"
قفز "الشمس العظيمة" هارباً من المرجل ونجا بحياته. وأجاب في قرارة نفسه بابتسامة باردة: "لست أنا الداهية. بل هو الغرور الكامن في النفوس الذي يحيل أصحابها إلى حمقى. فكثيراً ما يتجرعون الألم في صمت سعياً وراء جمال زائف، متخلين عن الغايات الحقيقية التي يجدر بهم السعي وراءها."
«» «» «»
لا تفوت الفصول الجديدة!
تابعنا لتصلك الإشعارات فور نزولها.

التعليقات
الانتقال إلى قسم التعليقات