الفصل 332: أسمى من أن تُستبدل
لا تفوت الفصول الجديدة!
تابعنا لتصلك الإشعارات فور نزولها.
ففي سبيل ارتقائه إلى مصاف الكائنات السامية، خاض ذلك العملاق البرونزي صراعات طاحنة ودامية، واقتحم أهوالاً لا حصر لها، وعاش يتسلل بين أنياب الكائنات السامية العتيقة لأكثر من ألفي عام كاملة!
واضطر لخوض دورات التناسخ أكثر من ستين مرة قبل أن يظفر بـ منصبه السامي وينتزعه من براثن القدر!
لذا، كان منصبه السامي ثمرة كفاح مرير ودماء زكية سُفكت على مدار قرون؛ ولم يكن ليستسيغ استخفاف هؤلاء بإنجازه وازدرائهم له لمجرد كونه غاصباً عصامياً شق طريقه بقبضتيه. غير أنه كتم غيظه ولم ينبس بكلمة، واكتفى برمقهم بنظرة ساخطة تفيض بالرفض والوعيد.
أما الكائنة السامية التابعة لـ طائفة الظواهر التي لا تُحصى، فرغم انتمائها لجيل الكائنات السامية العريقة، إلا أنها لم تكن تعتبر نفسها من أولئك الكسالى المترفين الذين ورثوا عروشهم السامية لمجرد أسبقية ولادتهم في فجر التاريخ.
ففي كنف طائفة الظواهر، تحكم الجدارة العلمية وحدها؛ ولا يعتلي المنصب السامي إلا الأكثر مهارة وتبحراً في مجاله التخصصي. فإن ظهر أي ممارس من الرتبة الخامسة يفوقها براعة، فله كامل الحق في منازلتها وانتزاع منصبها السامي إن كتب له النصر!
وبالتالي، فإن بقاءها متربعة على عرشها السامي لم يكن وليد أقدمية تاريخية اصطنعت بها سياجاً يمنع الأجيال اللاحقة من المنافسة؛ بل لأن طائفتها بأسرها تفتقر لمن يملك الكفاءة ليحل محلها! إنها ببساطة أسمى وأعظم من أن تُستبدل!
وحتى لو قُدر لها الهلاك اليوم، فهي على يقين مطلق بقدرتها على استعادة منصبها السامي فور انبعاثها في المستقبل؛ إذ سيكفيها مبارزة من اغتصب المنصب وسحقه في مناظرة علمية وميدانية حاسمة.
لذا لم تكن بحاجة لـ عائلة نبيلة أو إرث سلالي لتشعر بالفخر أو لتحمي عرشها؛ ولهذا السبب بالذات تجاهلت تهكم السياف على من امتلك الكفاءة لكسر القيود وتحدي عتاة النبلاء.
سادت تلك الخواطر في عقول الكائنات السامية الخمسة، وتبادل بعضهم عبارات عابرة، قبل أن يغرق الجميع في صمت مطبق ويسدلوا جفونهم مستأنفين سكونهم المهيب.
ومع خفوت الأصوات، استحال الفضاء المحيط بهم إلى قبر سحيق؛ ولم يعد يُسمع في الأرجاء سوى أصداء التفجيرات المدوية وصرخات الاستغاثة المتصاعدة من جوف العالم الصغير في الأسفل.
وكانت إحدى تلك الصرخات المكتومة تنبعث من حنجرة سياف بائس يتبع مسار القتل، يركض في كبد السماء فراراً بجلده من موت محقق! بينما كانت الانفجارات المتتالية وليدة المقذوفات الكهرومغناطيسية التي تهوي كـ النيازك لتشق أديم الأرض خلفه.
كان لوكي يتعقبه من الخلف كظل الموت، يمطر ظهره بوابل من الرصاص الخارق للدروع عبر المدفعين الكهرومغناطيسيين المستقرين فوق كتفيه؛ غير أن الرصاصات عجزت عن إصابته لفرط سرعته الجنونية.
فرغم السرعة الفائقة للمقذوفات، كان السياف ذو الرداء الداكن يملك سرعة مماثلة؛ إذ مكنه ميتاك الفرار الدموي من البقاء متقدماً بخطوة على مسار الرصاصات، فكانت تخطئه لترتطم بالأرض مخلفةً آباراً وفوهات مشتعلة مع كل اصطدام.
طار السياف يشق الأثير ممزقاً كل كائن حي يعترض طريقه، متغذياً على دمائه لرأب جراحه؛ مسخراً ميتاك الشفاء بالدم؛ وهي مهارة فتاكة صُممت لتمكين القاتل من إدامة القتل عبر التغذي على دماء ضحاياه وترميم أضراره الحيوية.
وكان مرغماً على تفعيلها بأقصى طاقته؛ فبدونها، كان سيلفظ أنفاسه الأخيرة في بضع ثوانٍ! فالمعضلة الكبرى التي تهدد بقاءه لم تكن مطاردة لوكي له، بل تلك الجروح الستة الغائرة التي تنزف بلا هوادة وتستنزف شريان حياته قطرة بعد قطرة!
كان خطر لوكي يتربص به في المستقبل القريب، أما خطر النزيف المتدفق فكان هلاكاً آنياً يخنقه في حاضره.
وبذل السياف وسعه لرتق تلك الجروح، لكن أقصى ما استطاع بلوغه هو كبح معدل الاستنزاف؛ إذ استحال عليه علاجها كلياً لأن لوكي كان يضخ طاقته باستمرار لإبقاء الجروح مفتوحة وملتهبة!
فغدت محاولات شفائه بمثابة حرب استنزاف وشد حبل ضارية بينه وبين لوكي؛ وما دام لوكي متمسكاً بإدامة أثر النزيف، فلن يملك السياف سوى استهلاك طاقته ودماء ضحاياه لمنع الجروح من قتله!
وكان هذا مشروطاً بعثوره على كائنات حية لقتلها؛ وبدون فرائس ينهل من دمائها، لن يستطيع تعويض نزيفه المستمر؛ ولهذا كان يطير بجنون صوب أقرب حاضرة بشرية!
رأى لوكي عبر حواسه تنشيط ميتاك الشفاء بالدم، وكان يدرك خفايا هذه المهارة جيداً؛ لكونها إحدى مهارات فروع مسار القتل التي عجزت عن التوافق مع جسده المعدني. لذا فطن على الفور لسبب اندفاع السياف نحو الحاضرة المأهولة؛ وكان يعلم أن أقرب مدينة في هذا الاتجاه هي تلك المدينة التي يعيث فيها مورفيوس الأسود فساداً بجيوش موتاه الأحياء!
فلو كان لوكي ضعيفاً، لما بالى بمصير هذا السياف وتركه يلقى حتفه في شباك مورفيوس؛ لكنه الآن كائن جبار يملك من القوة ما يكفي، ويأبى أن يقدم نقاط استحقاق مجانية لممارس مسار الموت المعتوه! لذا قرر وضع حد نهائي لمخطط هروبه قبل أن يبلغ أسوار المدينة.
أدرك لوكي أن القوة التدميرية لمقذوفات المدافع الكهرومغناطيسية لا غبار عليها، لكن ما فائدة القوة الساحقة إن كانت عاجزة عن إصابة الهدف المتحرك؟!
فحسم أمره باللجوء إلى سلاح من صنف مغاير تماماً!
ضم لوكي فوهتي المدفعين في ذراعيه الإضافيتين معاً، ودمجهما في سبطانة مدفعية واحدة عملاقة؛ ثم جعل السبطانة تستطيل وتنحف تدريجياً أمام صدره.
ومع استطالة السبطانة، أخذت شحنات مرعبة من الطاقة تختمر وتغلي في جوفها؛ وبلغ تركيز الطاقة حداً خطيراً اضطره لتطويق السبطانة بـ حقل القوة الحصين لدرع التحول لاحتواء الشحنة، منعاً لانفجار السبطانة وتفجر طاقتها في وجهه!
وبعد خمس عشرة ثانية من الشحن والضغط المتواصل، أطلق لوكي عنان الشحنة في سيل نقي من الفوتونات فائقة الطاقة ذات السعة الموجية المتطابقة!
انبثق من السبطانة شعاع ليزري دقيق يتحرك بـ سرعة الضوء الخالصة!
شق شعاع الضوء الأثير في جزء لا يُقاس من الثانية، متجاوزاً حواجز الصوت ومخترقاً ظهر السياف ذي الرداء الداكن مباشرة قبل أن يملك حتى رفاهية الإدراك!
لا تفوت الفصول الجديدة!
تابعنا لتصلك الإشعارات فور نزولها.

التعليقات
الانتقال إلى قسم التعليقات