الفصل 334: سيافة الخمر والبحث عن الهلاك
لا تفوت الفصول الجديدة!
تابعنا لتصلك الإشعارات فور نزولها.
مسارٌ يجلب الويلات والهلاك ويخلو تماماً من أي ميتاك فرعي، في مقابل مسار يفيض بالفتك، ويعزز القوة التدميرية، ويزخر بترسانة هائلة من مهارات الفروع الحية... لذا، كانت المفاضلة بين مسار الفضاء ومسار القتل واضحة كالشمس، ولم يكن في قلب لوكي أدنى ذرة من الندم على هذا التبديل الجذري.
ظل لوكي يستعرض تلك الخواطر وغيرها وهو يشق طريقه في كبد السماء ببهجة وثقة؛ غير أن بقية أطراف الساحة لم يكونوا ينعمون بمثل راحة باله. ففور مغادرته، هبطت شخصية جديدة على عجل في الموضع الذي اندلعت فيه المعركة السابقة؛ وكانت الوافدة سيافة تتسربل بـ أردية بيضاء ناصعة.
جرت العادة أن يتميز سيافو الأردية البيضاء بالأناقة، والنقاء، والسمت المهيب؛ يتصرفون باستعلاء أخلاقي مطلق، ويظنون أنفسهم بركة مقدسة هبطت على هذا العالم.
يعتقدون جازمين أنهم منقذو الكون ومخلّصو الوجود؛ وتلك عقيدة تفرضها عليهم تقنية تكرير قلب الداو الخاصة بمسارهم؛ فاليوم الذي يكفون فيه عن لعب دور المنقذين سيكون هو ذاته اليوم الذي يسقطون فيه في براثن الجنون وتتشظى فيه عقولهم!
غير أن تلك السيافة الوافدة لم تكن تعكس أدنى ذرة من تلك الأناقة أو الهيبة التي تليق بـ "منقذة العالم المزعومة".
كانت عيناها محتقنتين بالدماء، وشعرها مشعثاً في فوضى عارمة، وأرديتها ممزقة وملطخة، وتترنح في الهواء كـ سكيرة ثملة غائبة عن الوعي!
تتأرجح في الفضاء بخطوات غير متزنة وكأن نسيم الهواء قادر على دفعها والإطاحة بها؛ وهو مشهد ينافي المنطق لكائن في الرتبة الخامسة!
فكل ممارس في الرتبة الخامسة يحوز جزءاً أصيلاً من طاقة عالم كامل بعد أن ابتلع شظية من قلب العالم وصهرها في كيانه، فلا يعقل أن تزعزعه نسمات الرياح بتلك السهولة!
لكن هذا المشهد العصي على الفهم سرعان ما يتكشف سره لأي ناظر يلمح قرعة الخمر المتدلية عند خاصرتها؛ ويتأكد السبب حين تمد يدها المرتجفة نحو القرعة وتسكب ما في جوفها في حلقها بشراهة!
تجرعت السائل المسكر بلهفة لا تنقطع، وما إن ارتوت حتى أطلقت جشاءً مدوياً، وأعادت القرعة إلى حزامها دون مبالاة. ثم جاهدت لتركز بصرها المشوش على بحيرة الرماد الأبيض الغائرة في التراب؛ وهي ذات البقعة التي تبدد فيها رفيقها ذو الرداء الأبيض إثر انفجار البلازما القرمزية.
وحين عجزت عن العثور على أي أثر لجسده أو عتاده، هزت كتفيها بلامبالاة وقالت: "لقد بذلتُ وسعي... ولستُ ملامة على عدم بقاء أي ذرة منه!"
استدارت لتنصرف، وبينما كانت تتهادى في الأثير، أطلقت صوتها المترنح دون أدنى اكتراث للعواقب: "لا يملك عاهل السيفين أن يلقي باللوم عليّ في هلاكه؛ فالمغفل هو من اختار الركض منفرداً على أية حال... وحتى لو أراد..."
قاطع جشاءٌ آخر سيل كلماتها؛ فاستجمعت توازنها وتابعت: "حتى لو أراد عاهل السيفين معاقبتي، فما هو أسوأ ما قد يفعله بي؟! أسيقتلني مثلاً؟!"
تعثرت الحروف على لسانها الثقيل وأردفت: "إن كان يرغب في إزهاق روحي، فليفعل ذلك غير مأسوف عليّ... فأنا لا أرهب الموت قط!" ثم أطلقت ضحكة خافتة استطردت بعدها: "بل في حقيقة الأمر، أنا أتطلع بشوق إلى ذلك الخلاص العذب الذي يحمله الموت... لعل فنائي ينقذني مما أنا فيه!" تحولت ضحكتها الخافتة إلى قهقهة مجلجلة ومجنونة؛ ضحكت بحرية ومرارة وكأنها تحررت من كل هموم العالم.
قد يخالها الناظر الغرير طليقة ومتحررة من الأغلال، وربما حسدها البعض على تلك اللامبالاة؛ غير أن أي سياف يدرك حقيقة حالها لن يغبطها أبداً، ولن يتمنى أن يوضع في مأزقها البائس.
لقد بلغت من التدهور والانهيار النفسي حداً جعلها تسعى وراء حتفها وتترجى الهلاك؛ وهو أمر شاذ وشنيع مهما بلغت غرابة أطوار الممارس!
لكنها كانت جادة في طلب الموت؛ وكان هذا أحد الأسباب الخفية التي دفعتها للبحث عن حُراس هذا العالم. ولإنصاف الحقيقة، لم يكن الموت هو غايتها المطلقة؛ بل كان بمثابة "طبق جانبي" لن تتردد في ابتلاعه إن قُدم إليها!
تأملت مهمتها وتمتمت: "إن وافق الحراس على التعاون معي، فبها ونعمت... وإن رفضوا التحالف، فلا ضير في ذلك أيضاً... وإن قرروا ذبحي وسفك دمي، فلن أحرك ساكناً لردهم."
داهمتها فواقة مفاجئة جعلتها تبتسم بسخرية، لكن تلك الابتسامة تلاشت كبرق خاطف؛ إذ سرعان ما هوت سحب الحزن والأسى لتعتصر عقلها من جديد، فقالت بمرارة: "في جميع الأحوال، يتحتم عليّ نيل الفضيلة أو تجرع الفناء... فبدون حصد الاستحقاق والفضيلة، لن ينتظرني سوى الموت المحتوم."
كان حصد الاستحقاق هو غايتها القصوى وأولويتها المطلقة في الوقت الراهن؛ إذ كانت بحاجة ماسة ومستعجلة لاقتراف فعل خير عظيم، للتكفير عن خطيئة منكرة وفعل شرير شنيع ارتكبته يداها قبل سنوات!
وبدأ ذلك الكابوس برمته يوم خاضت نزالاً دموياً ضد سياف يرتدي رداءً داكناً.
ففي كنف طائفة طريق السيف، يقف سيافو الأردية البيضاء وسيافو الأردية الداكنة على طرفي نقيض كـ أعداء ألداء؛ وإن سنحت الظروف، يفتك ممارسو مسار السيف وممارسو مسار القتل ببعضهم دون تردد؛ لأن إبادة الطرف الآخر هي السبيل لحصد أعظم نقاط الاستحقاق في الطائفة!
فالسيافون ينذرون أنفسهم لإنقاذ العالم، بينما يكرس القتلة وجودهم لسفك دماء العالمين؛ وهذا التناقض الأيديولوجي يجعل الطائفة تكافئ كل من يغتال نظيره في المسار المعاكس بسخاء.
وزاد الطين بلة أن ارتقاء مكانة الداو في طائفتهم يرتبط ارتباطاً طردياً بحجم الاستحقاق المحصود؛ مما أشعل التناحر بينهما.
وصحيح أن نجدة الأبرياء أو ذبح الأعداء تمنح نقاط استحقاق، لكن إبادة ممارسي المسار المقابل تظل دوماً أسرع وأقصر الطرق لانتزاع المكانة والترقية؛ ولهذا لم يكن غريباً أن يشتبك الاثنان في ذلك النزال الدامي في ذلك اليوم المشؤوم!
لا تفوت الفصول الجديدة!
تابعنا لتصلك الإشعارات فور نزولها.

التعليقات
الانتقال إلى قسم التعليقات