الفصل 335: البحث عن الخلاص
لا تفوت الفصول الجديدة!
تابعنا لتصلك الإشعارات فور نزولها.
كان مكمن الفاجعة في ذلك النزال القديم يرجع إلى أن ممارس مسار القتل الذي جالدته كان يحوز قدرة حياة ملعونة تُدعى قدرة الجنون؛ وهي قدرة تغلف نصله وقبضتيه بطبقة سوداء من الطاقة المسمومة التي تسلب عقول الضحايا وتفقدهم صوابهم فور ملامستها.
ومع كل تلاحم واحتكاك بين نصليهما، كانت شحنات طاقة الجنون تتسلل إلى وعيها لتنهش اتزانها؛ حتى أظلمت بصيرتها، واختلت موازين تفكيرها، وعجزت عن التمييز بين الحق والباطل.
ومنذ تلك اللحظة المشؤومة، غرق عالمها في سديم مظلم من الغياب التام؛ فلا تزال عاجزة حتى اليوم عن تذكر الأماكن التي وطئتها قدماها أو ما اقترفته يداها طوال عشرين ساعة كاملة من الهياج والجنون المطلق!
لكن حين انقشعت غشاوة الجنون واستعادت وعيها المنكوب، وجدت نفسها تقف في قلب حاضرة كبرى تطفو على بحر من الأشلاء والأطراف المبتورة!
لقد أمعن نصلها في ذبح المدينة بأسرها خلال غيبوبتها؛ فلم تعفُ عن صغير أو كبير! الرضع في مهودهم والشيوخ المتكئون على عكاكيزهم... مزقهم سيفها جميعاً واستحالوا تحت ضرباته إلى كتل من اللحم المتناثر!
لربما تبدلت أحوالها لو أنها أفاقت في غابة موحشة بعيداً عن أعين الناس؛ ولربما كان وطء الجريمة أخف لو أنها جهلت ما ارتكبته... لكن حظها العاثر جردها من نعمة الجهل.
لقد عاينت بأم عينيها "حصاد يديها" بكامل فداحته ودمويته؛ ومنذ ذلك اليوم المشؤوم، ماتت روحها ولم تعد سيرتها لسابق عهدها أبداً.
حتى في هذه اللحظة، ما إن تطبق جفونها حتى تتراءى لها أنهار من الدماء القانية تطفو فوقها الأحشاء وقطع اللحم المفرومة تجري في أزقة المدينة؛ وحين تفتح عينيها، يباغتها طيف تلك المنازل المخضبة بحمرة الدماء ليلوح أمام بصرها بوضوح مفزع!
غير أن تلك الأطياف لم تكن أسوأ ما في الكابوس؛ فالأمر الأشد فظاعة هو إدراكها لتبعات أفعالها، وعلمها اليقين بأن عشرات أو مئات الآلاف من العائلات قد تشتتت وفقدت أحبتها جراء بطش سيفها.
لقد أفنت أربع مدن بأكملها خلال نوبات لوثتها، وحرمت ملايين الأبرياء من ذويهم؛ حقيقة مريرة تجثم فوق صدرها وتطارد كل دقيقة من صحوها.
وكانت الخمر وحدها هي ملاذها العاجز لنسيان ما اقترفت؛ فالثمالة تمنحها، ولو للحظات خاطفة، فرصة لتخدير تلك الأحزان الخانقة، ولهذا استعصى عليها فراق قرعتها.
فلولا إدمانها للخمر، لتشظى قلب الداو الخاص بها وانهار منذ زمن بعيد؛ وبفضل بقائها ثملة على الدوام، استطاعت التماسك ومواصلة التنفس حتى هذا اليوم.
غير أن الخمر ليست ترياقاً أبدياً؛ فمع مرور الوقت، بات من العسير عليها مغالبة التبعات العقلية والروحية لتلك المجزرة، وأيقنت حاجتها الماسة لاقتراف فعل خير عظيم واستثنائي ليكفر عن خطاياها.
ولهذا اتجهت للبحث عن حُراس هذا العالم؛ ولم تكن غايتها قتلهم، بل السعي لإقناعهم بالاستسلام السلمي لإنهاء صراع ساحة المعركة السماوية مبكراً، وحقن دماء الأبرياء. فمن خلال نجدة سكان هذا العالم الصغير وصون أرواحهم، كانت ترجو تطهير نفسها من دنس الماضي واستعادة هويتها المسلوبة كـ "منقذة للعالم".
كانت تعلم صعوبة تحقيق هذا المبتغى؛ فحراس العالم لن يلقوا أسلحتهم بيسر؛ إذ وعدتهم الكائنات السامية في عالم السماء المباركة بالسماح لعالمهم بالانعتاق والرحيل بسلام إن هم نجحوا في إبادة كافة غزاة الرتبة الخامسة!
ومع هذا الوعد العظيم ومصير عالمهم المعلق في الميزان، سيكون الحراس أكثر شراسة لقتلها وقطع رأسها؛ فإن أصروا على ذبحها، فلن تحرك ساكناً، بل ستستقبل الموت بابتسامة ترحيب؛ لكون الفناء هو خلاصها الأبدي من عذاب الضمير!
فمع تداعي عالمها العقلي واهتراء قلب الداو لديها، فإن موتها سيمحو وجودها كلياً ويحرمها من التناسخ، مما يعني نسيانها الأبدي لكل ما اقترفته يداها... لذا كان الموت نعمة تترجاها!
أما إن أحجم الحراس عن قتلها، فكانت تخطط للتحالف معهم لتصفية كافة غزاة الرتبة الخامسة في الميدان؛ وهي خطة أشد وعورة، لكنها ستجني من ورائها فيضاً هائلاً من نقاط الاستحقاق يكفر عن ذنوبها.
وهكذا، كانت راضية بأي مآل تسوقها إليه الأقدار؛ غير أن عائقها الوحيد كان جهلها بمواقع الحراس.
ولما استعصى عليها تحديد أماكنهم، انطلقت تمشط المدن الكبرى واحدة تلو الأخرى؛ وتلك كانت مهمتها الأصلية قبل أن يباغتها عاهل السيفين برسالة يأمرها فيها بالتحقيق في مصرع السياف الذي كُلفت بحمايته.
كانت مهمتها الرسمية تقتضي حماية ذلك الممارس صاحب قدرة السحب الخاطف، ولم يكن الأمر ليمثل مشكلة لو أنه لازمها؛ لكنه أبى مرافقتها في بحثها عن الحراس وآثر الركض في سبيله الخاص.
فلو كانت حريصة على حياتها وتخشى بطش عاهل السيفين، لاستماتت في حماية ذلك الفتى وتتبعته كظله؛ لكنها كانت زاهدة في الوجود ولا تبالي بالعواقب.
فحين انصرف، هزت كتفيها وواصلت مسعاها؛ حتى تناهى إليها نبأ هلاكه.
والآن، بعد أن فني ذلك البيدق، لم تفشل في حمايته فحسب، بل عجزت حتى عن كشف هوية من أطاح به؛ فكل ما تعرفه هو إحداثيات موقعه الأخير حيث خبت إشارته واستقرت بحيرة الرماد.
لقد أخفقت في المهمتين معاً، لكن ذلك لم يحرك فيها ساكناً؛ فكل ما كان يشغل بالها في تلك اللحظة هو وجود حاضرة كبرى تعج بملايين الأرواح على مقربة منها؛ ومدينة بهذا الحجم الهائل لا بد أن تحتضن أحد حراس العالم في جوفها... ولهذا صوبت وجهها نحوها ومضت في طريقها...
لا تفوت الفصول الجديدة!
تابعنا لتصلك الإشعارات فور نزولها.

التعليقات
الانتقال إلى قسم التعليقات