الفصل 474: اختلاس القداسة
- يبتلع فنرير المنصب السامي بجرأة تفجر غضب وفضول الكيانات السامية!
لا تفوت الفصول الجديدة!
تابعنا لتصلك الإشعارات فور نزولها.
حجم الخط:
18px
وحين شخص ببصره نحو سماء ذلك البُعد الثالث، تجلى له كهفه السماوي بوضوح؛ لقد غدا نجماً متلألئاً يسبح في ذلك الفضاء الرمادي، يومض من بعيد كأنه درةٌ نائية في كبد السماء. ورأى أن نجوم السماء قد انتظمت في كوكباتٍ فلكية بديعة؛ وبمجرد أن ألقى نظرةً فاحصة، أدرك أن النجوم المحيطة بكهفه السماوي تنتمي جميعها إلى مسار المال.
شكلت نجوم مسار المال كوكبةً صغيرة، ترابط بالقرب منها أربع كوكباتٍ أخرى عرف فيها المسارات الأربعة لـطائفة الجهات الأربع؛ وتوسطت كل كوكبةٍ منها شموسٌ وهاجة تمثل الميتاك الأسمى لكل مسار!
كما تراءت له كوكباتٌ أخرى تخص سائر الطوائف والمسارات؛ لتتوزع في أرجاء السماء أكثر من مائة نجمة تمثل أربعة عشر مساراً كونياً.
استبد به الفضول ليعلم سر تعليق الكهوف السماوية في علياء تلك السماء، فحاول جذب كهفه السماوي لإنزاله؛ غير أنه سرعان ما اكتشف أن كهفه راسخٌ كالطود لا يتزحزح قيد أنملة مهما بذل من جهد.
بيد أنه استطاع تحديد مكمن الرسو من خلال المقاومة التي جابهته؛ فتيقن أن المنصب السامي المستحوذ عليه حديثاً هو المرساة التي تثبت كهفه في تلك السماء البُعدية.
وعبر إحصائية البصيرة، أدرك أنه طالما بقي على قيد الحياة، فإن كهفه السماوي سيظل معلقاً في تلك السماء؛ كما اكتشف إمكانية ربط وعيه بتلك الكوكبات لاستجلاء أدق المعلومات التي يحفظها عالم النعيم المبارك عن أي هدفٍ ينشده!
أذهله هذا الاكتشاف وعقد لسانه؛ فرغم أنه غدا كياناً سامياً عظيم الشأن، إلا أن فمه انفرج ذهولاً من هول المنحة. وتعاظم إكباره حين اختبر البصيرة ليتفحص ماضي شخصٍ عشوائي، فبرقت في عقله تفاصيل ما اقترفه ذلك الشخص في صبيحة يومه!
غير أنه كفّ عن استراق النظر بعد ثوانٍ معدودات؛ إذ أدرك أن تلك الرؤية تقتطع ثمناً مباشراً من سنوات عمره الثمينة!
وبصفته كياناً سامياً وليداً، لم يكن يحوز فائضاً من سنوات العمر ليريقها عبثاً؛ فتمتم في سرّه: 'فلأصرف النظر عن ذلك الآن؛ سأختبره لاحقاً، فلدي ما هو أعظم خطراً لأتدبره!'
وفي تلك الأثناء التي ارتقى فيها، لم تكن سائر الكيانات السامية في غفلةٍ عما جرى؛ فرغم أن العالم لم يُعلن رسمياً عن ميلاد كيانٍ سامٍ جديد، إلا أن الساميين جميعاً التقطوا وميض كهفٍ سماوي انطفأ فجأة ليحل محله كهفٌ آخر في التو واللحظة!
استبد الفضول بجمعٍ منهم، وبلغ ببعضهم الحماس حداً دفعهم لتسخير إحصائية البصيرة والمقامرة بقطراتٍ من سنوات أعمارهم لكشف هوية المتسامي الجديد.
وما إن شرع هؤلاء الفضوليون في اختراق سجلاته، حتى فطن لوكي لمحاولاتهم بفضل بصيرته هو الآخر؛ وأدرك قدرته على صد سياط تجسسهم بالتضحية بشيءٍ من عمره.
تنهد لوكي بحسرة أمام حتمية استنزاف العمر لحفظ أسراره، وقال في سرّه: 'بلا سنوات عمر، لا يساوي الكيان السامي شروى نقير! لا مناص لي من العكوف على مراكمة رصيدٍ هائل من العمر.'
ثم نفض رأسه بابتسامةٍ شيطانية وأردف: 'لكن ذلك للغد؛ أما الآن، فحانت ساعة التهام الوجبة والفرار!'
اتسعت ابتسامته لتتحول إلى تكشيرة نهم، حتى أن الشعلة الذهبية المتوقدة فوق رأسه اضطربت بحماسةٍ لتقلب مزاجه؛ ودشن هجومه على الفور.
لم يظهر عليه في العالم الحسي أي أثرٍ للحركة؛ فالمعمعة كلها كانت تشتعل في صميم كهفه السماوي!
ففي الفضاء الجوهري للكهف، دبت الحياة في تمثال فنرير الملون؛ خطا الذئب الحجري نحو النجم الساطع في الظلمات، وفاغراً فاه الواسع، ابتلع المنصب السامي بلقمةٍ واحدة!
لم يُبدِ المنصب السامي أي مقاومة؛ فلوكي هو السيد المطلق لهذا الفضاء، وبحكم إحكامه السيطرة على المنصب السامي، انزلق الأخير في جوف فنرير دون أدنى ممانعة.
وكانت ارتدادات هذه الخطيئة الكونية صاعقةً ومزلزلة!
فما إن ازدرد فنرير المنصب السامي، حتى خبا النجم الممثل لمنصب الجسد الذهبي وانطفأ بالكلية؛ وأخذ الكهف السماوي يهوي متداعياً في الفضاء!
وفي بدنه المادي، تبددت إحصائية البصيرة؛ وسُلب منه إدراك الأبعاد المتراكبة في طرفة عين.
وجف نبع الطاقة اللامتناهية التي كانت تفيض في عروقه؛ فانكمش وجوده المتضخم وانهار على نفسه كبناءٍ تصدع أساسه. وتقلص جسده، وروحه، وعقله؛ لتسقط إحصائياته سقوطاً حراً من 5.5 وحدات لتهوي إلى وحدةٍ واحدة بائسة!
وانطفأت نار حياته تماماً، وأخذ لحمه يجف وينكمش كجثة مومياءٍ محنطة! أحس بسكرات الموت تنهش أوصاله، وكان تدهور بدنه مرآةً صادقة للفناء الذي يحدق به.
ولم تغب تلك الفاجعة عن بصر الكيانات السامية؛ فرغم عجزهم عن سبر ما يعتمل في باطن كهفه، إلا أنهم أدركوا تهاوي أركانه وفناء منصبه السامي بوضوح!
كانت حادثةً غير مسبوقة في تاريخ الوجود؛ وفي لمح البصر، مزقت كياناتٌ سامية متعددة نسيج الفضاء وهوت نحوه كالصواعق لتستجلي كنه ما يحل به!
غير أن لوكي لم يمنحهم ترف إرواء فضولهم؛ ففي اللحظة الدقيقة التي بدأ فيها المنصب السامي ينصهر في أحشاء فنرير، ضغط على زناد ميتاك الرجوع بالزمن!
وفي الجزء من الثانية الذي أطبقت فيه أكف الكيانات السامية على بدنه المادي المتهالك، انطلقت الفراشة البلورية من صميم عالمه لتسحب فنرير وتغوص به في لجة نهر الزمن!
تبخر من بين أصابعهم عائداً القهقرى نحو الماضي بلمح البصر!
وحين استرد كينونته في العالم، وجد نفسه يقف في اللحظة الدقيقة التي تمخضت عن ولادة كهفه السماوي في قاعة الإيقاظ؛ كان الكهف قد استقر لتوه صرحاً في باطنه، وتأهب للتفرس فيه من جديد!
لا تفوت الفصول الجديدة!
تابعنا لتصلك الإشعارات فور نزولها.

التعليقات
الانتقال إلى قسم التعليقات