الفصل 477: القوة سيدة الوجود والارتقاء فوق لوحة العالم
- يخترق لوكي البُعد الرمادي ليشهد العالم كلوحة مسطحة، ويباغت راستي برعب ساحق...
لا تفوت الفصول الجديدة!
تابعنا لتصلك الإشعارات فور نزولها.
حجم الخط:
18px
ألجم مشهد تلك الشعلة الذهبية لسان موني، وعقد العزم على ألا يُفرّط بكلمةٍ واحدة قد تودي به إلى الهلاك؛ فاستقر رأيه على الانصياع الأعمى لكل ما يُطلب منه، وألا ينبس ببنت شفة ما لم يُؤذن له بالكلام.
التقط لوكي تلك الخواطر المرتجفة التي كانت تعتمل في روع موني، فأطلق ضحكة خافتة؛ ولم يدرِ موني مكمن الدعابة، غير أنه لم يجرؤ على الاستفسار.
بل لم يجرؤ حتى على رفع بصره نحو هذا الكيان السامي؛ بل ظل مسمراً عينيه فوق التراب كمن يحسب كل خطوةٍ يخطوها خشية الزلل.
وهكذا، قطعا الدرب نحو أمانة الطائفة في صمتٍ مطبق؛ أحدهما يضرب الأرض بقدميه الواهنتين، بينما يتهادى الآخر طافياً إلى جواره في الهواء، وتستعر فوق رأسه شعلةٌ ذهبية بهيبةٍ صامتة.
كاد مظهر لوكي أن يودي بحياة الموظف في مكتب التسجيل بسكتةٍ قلبية؛ ورغم أن فؤاد الرجل كاد يخلع صدره من فرط الذعر، إلا أنه جاهد باستماتة ألا يُغشى عليه، وظل متماسكاً حتى أتم خدمة لوكي على أكمل وجه، قبل أن ينهار مغشياً عليه فور انصرافه!
رسم هذا المشهد ابتسامة رضا فوق شفتي لوكي؛ ولدى مغادرته البهو، تمتم في نشوة: "القوة نعمةٌ عظيمة... إنها الأفضل على الإطلاق."
عقب إتمام قيده، انصرف لوكي لتقفي أثر "راستي"؛ وبفضل إحصائية البصيرة، باتت المدينة بأسرها مكشوفةً أمام ناظريه بلمحة عين واحدة. لم تعد الجدران والحواجز تحجب رؤيته، فبات يعلم موضع كل إنسٍ وجان في أرجائها.
وما إن رصد موضع راستي، حتى سخّر كهفه السماوي ليشق صدعاً في البُعد المكاني الذي يقف فيه؛ فتق الفضاء نافذاً مباشرةً نحو البُعد الثالث—وهو البُعد الرمادي—ثم ولج تلك الهوة ليعبر إلى ذلك العالم الخفي.
ومع اجتيازه صدع الفضاء، أحس ببدنه يتحور قليلاً ليتناغم مع تبدل القوانين الكونية من حوله؛ غير أن ثيابه المادية عجزت عن مجاراة تلك النقلة، فتمزقت واستحالت إلى هباءٍ ذري في لمح البصر فور عبوره.
ورغم أن لوكي لم يستشعر أي انزعاجٍ أو ضيق، إلا أن تلاشي ثيابه كان كافياً لتأكيد حقيقة أن هذه الأبعاد الباطنية ليست موطئاً للفانين؛ وفضلاً عن ذلك، كان هذا البُعد خلواً من الهواء تماماً؛ ولم يضِره انعدام الأكسجين في شيء بعد أن تجرد جسده السامي من الرئتين، تماماً كحال الأرواح الهالكة في النهر الأسود الرابض في الأسفل، غير أنه تيقن من أن أي فانٍ يطأ هذه العتبة سيلقى حتفه اختناقاً في طرفة عين.
تأمل سماء البُعد الثالث لبرهة وجيزة؛ فرأى النجوم تتلألأ في كبد سمائه، غير أنه لم يلمح نجمه الخاص بينها.
ولم يُفاجئه ذلك الغياب؛ إذ كان يدرك يقيناً أن تساميه لم يكن منحةً انبثقت عن منصبٍ سامٍ اعترف به عالم النعيم المبارك، بل كان إنجازاً خالصاً بفضل فنرير، فلا حق له في حجز مقعدٍ بين كوكباتهم المعلقة.
كما أدرك استحالة بلوغ تلك النجوم السامية في الوقت الراهن، فلم يشغل باله بالصعود لاستهدافها؛ بل حوّل بصره عائداً نحو الأسفل، حيث ترقد المدينة البلورية.
كان قد ولج البُعد الثالث من قلب المدينة البلورية؛ غير أنه الآن، وقد استقر في هذا البُعد الأرفع، بدت المدينة تحته مسطحةً كلياً!
وحين دقق النظر، رأى العالم بأسره قد استحال مسطحاً؛ وكأن الوجود المادي بأكمله قد تحول إلى لوحةٍ جدارية مرسومة، بينما هو يقف خارج إطار اللوحة!
استحال العالم إلى خريطةٍ حية تنبض أمام ناظريه؛ فمن موقعه الشاهق، بات يسعه رؤية كل مدينةٍ في المجال المركزي، وصولاً إلى الحواجز الكونية القصوى للعالم. كل خافية باتت مباحة لعينيه، وبدا الأمر وكأنه لا يحتاج سوى لمد يده ليلامس أي بقعةٍ يبتغيها!
يمنحه هذا المقام المتسامي أفضليةً مطلقة لمعاينة العالم من ذروةٍ لا تُطاول؛ غير أنه يسلبه في المقابل القدرة على التأثير المادي المباشر في أشيائه، فإن رغب في ملامسة أرض الواقع، تعين عليه النفاذ مجدداً إلى البُعد الحسي.
ومما لفت انتباهه كذلك، خلو هذا البُعد الرمادي من أي أثرٍ للبشر؛ بل لم يلمح دبيباً لأي كائنٍ حي، من أصغر حشرة إلى أكبر طائر، فالمكان قفرٌ معقمٌ من كل نبض.
استحضر تلك المعطيات وهو ينتقي بقعةً محددة في لوحة المدينة المنبسطة تحته، ثم شق الفضاء قاصداً تلك النقطة بعينها. انصاع الكهف السماوي لمشيئته، فانبلج صدعٌ مكاني أمامه؛ وما إن خطا خارجه، حتى وجد نفسه يقف وجهاً لوجه في ذات الردهة مع راستي!
لم يتملكه أي عجب من ظهوره هناك، لكن راستي كاد عقله يطير ذهولاً ورعباً من هذه المباغتة؛ غير أن الرجل لم يُبدِ مقاومة ولم يجرؤ حتى على الصراخ في وجه الدخيل المفاجئ. بل سقط على ركبتيه في التو واللحظة، وألصق جبهته بالتراب خاشعاً!
غمر حضور لوكي أركان الردهة بمهابةٍ ساحقة، فارتعد صوت راستي وهو يلهث بوهن: "أنا طوع بنانك وأمرك، سيدي الجليل... سأنفذ كل ما تأمرني به دون تردد؛ فقط مُرني بما تشاء!"
ذلك ما لفظه لسانه تذللاً، بيد أن مكنونات صدره كانت تغلي بشيءٍ مغاير تماماً؛ إذ كان يصرخ في خلده برعب: 'ما الخطيئة التي اقترفتها لأبتلى بهذه النازلة المروعة؟! أكنتُ ملعوناً في حياتي السابقة حتى يُسلط عليّ هذا البلاء؟!'
كان كل ما يرجوه هو أن يقذف به القدر بعيداً عن هذا المكان لآلاف الأميال، وتمنى لو حاز سرعةً لامتناهية ليمزق بها الأرض فراراً!
لكن الأماني لا تطعم جائعاً؛ فلن ينال مبتغاه بالتمني، كما لا يملك ترف التعبير عن سرائره أمام كيانٍ سامٍ، بل لزاماً عليه اصطفاء أعذب الكلمات التي تدفع عنه غائلة القتل. كان لوكي يقرأ أفكار راستي الحقيقية كما يقرأ كتاباً مفتوحاً بفضل بصيرته؛ وعلم يقيناً أن الرجل لا يشعر بأي بهجةٍ للقائه.
غير أنه لم يُلقِ بالاً لخواطره؛ فمشاعر راستي ورغباته لا تزن جناح بعوضة في ميزان خطته. فخطا نحوه بثبات، ووضع كفه بهدوء فوق رأس الرجل الجاثم بين يديه!
لا تفوت الفصول الجديدة!
تابعنا لتصلك الإشعارات فور نزولها.

التعليقات
الانتقال إلى قسم التعليقات