قيد التحميل، شكرًا لصبرك...

الفصل 528: السماء الثانية

- ينجو لوكي من سم بحر الموتى ويلج السماء الثانية، ليشهد غرائب الكائنات الروحية...

لا تفوت الفصول الجديدة!

تابعنا لتصلك الإشعارات فور نزولها.

تابعنا
حجم الخط: 18px
هز رأسه ممتعضاً وقال بصوتٍ خافت: "كان حرياً بي أن أفطن إلى خلو هذا البحر من أي طعام؛ فلو كان يحوي نفعاً، لأخبرني فنرير بمجرد أن وقعت عيناه عليه. وما جنيته من تبديد سنوات عمري لم يكن سوى تأكيد حقيقة أنه شرٌ محض وأشنع من العدم."
ينجو لوكي من سم بحر الموتى ويلج السماء الثانية، ليشهد غرائب الكائنات الروحية

ألقى نظرة وداعٍ أخيرة على بحر الموتى، ثم حلق مسرعاً في كبد السماء؛ فلم يعد يطيق البقاء في جوار تلك اللجة الملعونة بعد أن بثت في روعه فزعاً حقيقياً. وما أوجل قلبه حقاً هو الكيفية الغامضة التي خسر بها سنوات عمره وشظايا قوانينه؛ فقد تخللت قوةٌ مجهولة حقل القوة الأسود لتنحدر كالسهم مباشرةً نحو فنرير الرابض في قلب كهفه السماوي!

تجاوزت تلك القوة الشيطانية سائر حصونه ودفاعاته لتضرب صميم كينونته الباطنية، برغم أنه لم يلمس ماء البحر بجسده المادي قط، بل لامسه بقدرةٍ فحسب؛ ومع ذلك، كان المردود مروعاً ومزلزلاً!

ولم يتمالك نفسه من تخيل المصير الأسود الذي كان سيلقاه لو قدر له السقوط في مياه ذلك البحر؛ وأججت تلك الهواجس رغبته في الابتعاد إلى أقصى حد، ليصنع مسافة أمان تحول دون سقوطه في بحر الموتى إلى الأبد.

كانت السماء الثانية تناقض بحر الموتى في كل تفصيلةٍ وتجربة؛ ففي مظهرها الخارجي، بدت كغطاءٍ أبيض ناصع يجلل الآفاق، حتى جاز وصفها بـ البحر الأبيض نداً للبحر الأسود في الأسفل.

وحين اجتاز عتبة القبة البيضاء وولج فضاء السماء الثانية، داهمه شعورٌ مغاير تماماً؛ إذ أحس بأن كهفه السماوي قد تباعد عن وعيه، وعجز عن استدعاء جبروته لتوليد الطاقة!

كان إحساساً مناقضاً للحظة التي اقتحمت فيها القوة المجهولة كهفه؛ وتجلى هذا العجز جلياً حين سُلب منه التحليق، ووجد نفسه مرغماً على المشي على قدميه!

تلك حاجةٌ للمشي لم يألفها منذ أن ارتقى إلى المرتبة الرابعة وشيّد قصر عقله؛ لذا كان عجز كهفه السماوي عن مده بالقدرة على الطيران صدمةً لا يسعه تجاهلها.

وبعد أن استقرت قدماه فوق الأديم، شرع في مسح ما حوله بفضول؛ وكانت السماء الثانية تعج بأطياف الألوان والحياة، وتموج أرجاؤها بكائناتٍ وتضاريس شتى جعلتها تبدو كغابةٍ بكر تعج بالحركة.

كانت هناك جبالٌ وبحيرات، وأيائل، وأشجار، وحلزونات، وأرانب، وخلائق لا حصر لها؛ بدت للوهلة الأولى طبيعية وادعة، غير أن التفرس فيها كشف عن شذوذٍ مرعب يلف كل ذرةٍ فيها!

وأول ما استرعى انتباهه هو التباين الصارخ في الألوان والهيئة؛ فالأرض تحت قدميه كانت حمراء قانئة، ناعمة وملمسها رخو كالحرير!

وثانياً: مياه البحيرات لم تكن زرقاء، بل كانت عديمة اللون وشفافة كالزجاج!

بل بلغت شفافية المياه حداً استحال معه إدراك وجود ماءٍ في الحوض أصلاً؛ ولولا تلك الأسماك البلورية الخضراء التي كانت تسبح في الفراغ دون زعانف أو خياشيم، لما ساوره الشك في أن التجويف يفيض بالماء!

وكانت تلك الأسماك شذوذاً بحد ذاته؛ فما كانت تحوز سوى القالب الخارجي للهيئة! فلا عيون لها، ولا أفواه، ولا خياشيم، وتنساب في الفضاء المائي دون أن تحرك أجسادها أو تستعين بزعانف.

ولم تكن الأسماك وحدها الشاذة؛ فسائر البهائم كانت مجردةً من أدوات البقاء البديهية: عمياء بلا بصر، تفتقر إلى الشفاه والأسنان والأفواه بالكامل، وتخلو وجوهها من فتحات الأنوف للتنفس!

وإن لم يكن كل هذا غريباً بما يكفي، فإن الهرم الغذائي كان معكوساً ومشوهةً نواميسه!

فالطرائد لا ترعى النباتات، والضواري لا تطارد الفرائس؛ بل كان كل صنفٍ يلتهم بني جنسه وفصيلته حصراً!

الأشجار تلتهم الأشجار، والأرانب تفترس الأرانب، والأيائل تبتلع الأيائل، والنمور تلتهم النمور!

ولغياب الأفواه، لم يكن الالتهام يجري بالنهش والمضغ المعتاد؛ بل كان الحيوان يسعى نحو نظيره، وما إن يتلامسا حتى يلتحما في جسدٍ واحد!

وأينما ولّى لوكي وجهه، رأى الكائنات تذوب في بعضها البعض؛ وبدا أن جل شاغلها في هذا الوجود ينحصر في البحث عن نظيرها للالتحام به وتضخيم كتلتها!

بل حتى البحيرات لم تسلم من هذا الاندماج؛ فراقب بحيرةً تنزلق فوق سطح التربة الحريرية الحمراء متجهةً نحو بحيرةٍ مجاورة، وما إن تلامستا حتى صهرتا في بحيرةٍ واحدة أعظم اتساعاً!

وتزامن ذلك مع اندماج الأسماك البلورية بداخلها، فكلما اتسع الحوض، تضخمت الأسماك لتستحيل إلى وحوشٍ جبارة!

ورأى مشهداً عجيباً: سمكةً تضخمت حتى ضاق بها حوضها، فقفزت خارج البحيرة وزحفت فوق الأرض الحمراء لتلقي بنفسها في بحيرةٍ أضخم تعج بأسماكٍ أخرى لتندمج معها!

هتف لوكي مذهولاً: "إذن، هذا ما عنته هاموك حين قالت إن الكائنات الروحية تبحث عن بعضها غريزياً! يبدو أن غايتها الأسمى هي التكتل والالتحام... وهذا يفسر سر الجسامة المهولة لكل ما يدب هنا!"

فبفعل هذا الانصهار الدائم، كانت سائر الأشياء تبلغ حجماً خرافياً؛ ورغم أنه ألف الشعور بالضآلة في الغابات الشاسعة، إلا أنه شعر هنا بصغرٍ شاذ ومهين!

أحس وكأنه طفلٌ تائه في غابة عمالقة؛ فكل شيءٍ كان يفوقه حجماً أو يضاهيه في أقل تقدير؛ حتى الحلزونات كانت تماثله في القامة، بل إن بعضها كان يفوقه ضخامةً بمراحل!

وحين مرّ حلزونٌ هائل في جواره، اضطر لوكي إلى التنحي عن طريقه لئلا يدهسه ذلك الكائن البطيء ويسحقه تحت ثقله!

لا تفوت الفصول الجديدة!

تابعنا لتصلك الإشعارات فور نزولها.

تابعنا
محرر ومترجم في "أنفاس الراوي"، أعمل على تقديم أفضل تجربة قراءة للأعمال الأدبية والفانتازية.

التعليقات

الانتقال إلى قسم التعليقات